السياسة الخارجية التونسية
إن تونس التي اختارت في عهد الرئيس بن علي بوعي وإدراك خيار التكامل وتشابك المصالح في سياستها الخارجية، لم تكتف بذلك، وإنما بقيت بين ثوابت الجغرافيا ومتغيرات التاريخ مشدودة إلى انتماءاتها الحضارية والثقافية، والى محيطها الجغرافي الإقليمي والقاري، تتحرك بإرادة واعية ومستقلة، وتؤدي رسالتها بكل التفاني والإخلاص، وتمارس دورها بمسؤولية، وواقعية.
وتتجلى هذه الثوابت في التمسك بميثاق الأمم المتحدة وما يتضمنه من مبادئ وقيم تخدم السلم والأمن والتفاهم بين الشعوب في إطار الشرعية الدولية التي لا تقبل سياسة الموازين المختلفة والمعاملة الانتقائية، وفي التأكيد على ضرورة استثمار كل الفرص السانحة لإحلال الحوار والتفاهم بدل التصادم والمجابهة، والعمل على تكريس قيم التسامح والاعتدال ونبذ كافة أشكال الانغلاق والتطرف.
وقد ساهمت الرؤية المتبصرة للرئيس بن علي في جعل السياسة الخارجية التونسية تواصل العطاء، منتصرة لقضايا الحق والعدالة، وفق سياسة متوازنة، سمتها التفتح ونظ ا مها الاعتدال، وقيمها التسامح والتضامن وتشابك المصالح. وانطلاقا من هذه القيم السامية، مارست السياسة الخارجية التونسية دورها بمسؤولية ووعي، وفق مبادئ عامة معبرة عن مفهوم معين للعلاقات الدولية متدرجة من الكلي إلى الجزئي ، حيث تعددت مبادراتها، وتنوعت نجاحاتها، الأمر الذي مكنها من انتزاع اعتراف دولي بها مما رفع من رصيد تونس على مستوى المحافل الدولية.
وإذا كانت كثيرة هي المعطيات الدالة عن هذه الممارسة السياسية التي تحولت إلى سلوك يومي، فان ذلك لا يمنع من الإشارة إلى ان تونس أدركت مبكرا ان التحولات العالمية الراهنة تقتضي إلى جانب تركيز نظام عالمي اكثر عدالة، إضفاء المزيد من النجاعة عل ى مجلس الأمن في أداء مهامه، حيث لم تتردد لحظة في الدعوة إلى إصلاح هذا الهيكل الاممي، والمطالبة بتأمين حق الدول النامية في ان تكون شريكا في تحديد ملامح النظام العالمي الناشئ.
ولم تكتف بذلك، وانما دعمت رؤيتها بمبادرة شجاعة ذات أبعاد إنسانية أطلقها الرئيس بن علي تتمثل في الدعوة الى إ حداث صندوق عالمي للتضامن التي لاقت تجاوبا دوليا واسعا توج في نهاية عام 2002 بمصادقة الجمعية العامة للأمم المتحدة على إحداث هذا الصندوق.
ولاشك في ان مصادقة الأمم المتحدة على هذه المبادرة بأبعادها النبيلة التي من شانها إكساب العلاقات الدولية بعدا إنسانيا، انما تعكس صواب النهج الذي تسير على هداه السياسة الخارجية التونسية بتوجيه من الرئيس زين العابدين بن علي ، وهي سياسة لا تخفي حرصها على الإسهام في تعزيز السلم والأمن والاستقرار في العالم والتأسيس باستمرار للتقارب والتعايش وتكريس الحوار، والوفاق الدولي.
وبالتوازي مع هذه المبادرة التي شخصت بوضوح الوضع الذي يمر به العالم اليوم،وما يعانيه من عدم الاستقرار وتعدد بؤر التوتر والصراعات، وما تحتاجه البشرية في هذه الظروف، جاءت مبادرة أخرى لا تقل عنها أهمية تتمثل في المطالبة بعقد مؤتمر دولي يضع قواسم مشتركة لإرساء عقد أممي للسلم والتنمية من شأنه أن يحد من الهوة الفاصلة بين الدول المتقدمة والدول في طريق النمو ويخفف الشعور بالحرمان والإحباط لدى شعوب كثيرة.
وترافقت هذه المبادرة مع دعوة أخرى تجسد حرص السياسة الخارجية التونسية على الوفاق والتعايش الدولي كان لها كبير الأثر في فتح صفحة جديدة على مستوى العلاقات الدولية، وهي ترسيخ التفاهم والتفاعل الإيجابي بين الأديان والحضارات والثقافات وتكريس قيم الاعتدال والتسامح والتضامن بين الأفراد والمجموعات والشعوب وصولا إلى إرساء السلام والأمن والاستقرار.
واهتمام السياسة الخارجية التونسية بمسألة إرساء السلام والأمن لم يكن مجرد مواقف عابرة أملتها أحداث معينة، وإنما كان اهتماما مبدئيا ترجمته تونس على ارض الواقع من خلال مساهماتها المتعددة في اكثر من مهمة إنسانية وفي عمليات حفظ السلام عبر العالم، حيث قامت خلال السنوات الماضية بإرسال مئات من جنودها إلى كمبوديا وناميبيا والصومال ورواندا وبوراندي والكونغو لحفظ الأمن والسلام في هذه الدول وتجنيب شعوبها ويلات الحروب.
ولئن بدت هذه المبادرات التي سعت تونس إلى تجسيدها على ارض الواقع مهتمة بما هو عالمي، فان ذلك لا يعني ان السياسة الخارجية التونسية أغفلت ما هو إقليمي، او تجاهلت ولو لحظة واحدة دوائر تحركها الأساسي، أي الدائرة المغاربية والدائرة العربية والدائرة المتوسطية والدائرة الإفريقية والدائرة الإسلامية، وغيرها من الدوائر الأخرى.
والشواهد على هذا الاهتمام كثيرة، ذلك ان أحدا ليس بإمكانه التقليل من شان الاهتمام الذي توليه السياسة الخارجية التونسية لمسألة بناء المغرب العربي إيمانا منها بأن تشييد هذا الصرح سيساهم في ضمان الأمن والاستقرار وتأمين مستقبل أفضل لكافة دول المنطقة.
ولما كانت تونس بحضارتها وثقافتها هي في جوهرها التاريخي حضارة عربية واسلامية، فانه من الطبيعي جدا ان ترتبط سياستها الخارجية بشكل عضوي ببعدها العربي والإسلامي، وفية للمبادئ والقيم التي تأسست عليها لجهة الانتصار للقضايا العربية.
ولا حاجة في هذا السياق التأكيد مجددا على ان الديبلوماسية التونسية تعيش اليوم بفكرها ووجدانها هموم القضايا العربية العادلة وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية التي اعتبرها الرئيس بن علي قضيته المركزية، تدافع عنها وتعمل من اجلها، حتى ان نشاطها يكاد يرتبط بها، مؤكدة بوضوح في كل المناسبات والمحافل الدولية على أنه لا مجال للمساومة في حقوق الفلسطينيين وأنه لا سلام بغير استرداد حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة كاملة بما فيها حقه في إقامة دولته على أرضه.
وقد شكلت هذه الرؤية الاستراتيجية محور نشاط السياسة الخارجية التونسية التي سعت الى جعل منطقة البحر الأبيض المتوسط منطقة قائمة الذات كوحدة جغرافية تربط بين دول لها مصالح مشتركة، حيث جسدتها في التوقيع على اول اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي، وصولا الى احتضانها خلال شهر ديسمبر 2003 لقمة رؤساء مجموعة دول 5+5 ،هذه القمة التي جعل ت من تونس جسرا لربط حلقات الجغرافيا والتاريخ بحلقات الثقافة والحضارة.
ويمثل اختيار تونس لاحتضان المرحلة الثانية من القمة العالمية لمجتمع المعلومات في نوفمبر 2005 بعد أن بادر الرئيس بن علي بالدعوة إلى تنظيمها منذ سنة 1998 تحت رعاية الأمم المتحدة، اعترافا دوليا واسعا بجهود تونس الداعية إلى الحد من الفجوة الرقمية بين الشعوب باعتبارها فجوة تنموية بالأساس ومساندة لدعوتها المستمرة إلى نشر الثقافة الرقمية بين مختلف الشعوب.
كما شكلت نتائج القمة العربية بتونس في ماي 2004 نقلة نوعية في العمل العربي المشترك لاسيما في ما يتصل بتأكيد عزم الدول العربية المضي قدما في مسيرة التطوير والتحديث.
إن تونس التي احتفلت سنة 2006 بمرور خمسين عاما عن الاستقلال من الاستعمار الفرنسي تعيش في آن واحد فرحة تحقيق السيادة وفرحة التقدير الدولي الذي تحظى به بين الأمم والشعوب وهو ما يجعل من احتفالاتها هذا العام احتفالات استثنائية بكل مقاييس النجاح والاعتزاز.