من هو بن علي ؟

كان لـ "اهتمامي بالإعلامية ـ كما يقول بن علي لاحقا ـ تأثير إيجابي على طريقتي في العمل، فقد منحني ذلك ميلا واضحا للمنطق والدقّة والتحليل، ونظرة مستقبلية منظمة بعيدا عن الارتجال".

على هذا النحو اتسمت المرحلة الثانية من حياته العملية بارتقاء منتظم في سلم المسؤوليات، بفضل التزامه بالواجب وقدرته على الإنصات ودقته في التحليل. ففي كل قرار يتخذه، كان يحرص على دراسة المعطيات وتحليل الوضعيات ومقارنة النتائج، حتى إذا اتخذ القرار نقله إلى حيز التطبيق بعمل مثابر وسهر شخصيا على متابعته. وقد لخص بن علي لإحدى الصحف روح تمشيه هذا في قاعدة جلية المعاني : "أنا أصغي وأفكر وأعمل".

وكان بن علي ما يزال ضابطا شابّا في أركان الجيش حين أسس إدارة الأمن العسكري سنة 1964 حيث أشرف على تسييرها لمدة عشر سنوات. وحين عُيّن ملحقا عسكريا بالمغرب وإسبانيا التحق بالرباط سنة 1974. ثم عين بديوان وزير الدفاع قبل أن يضطلع بمهام مدير عام للأمن الوطني في ديسمبر 1977.

وفي أفريل 1980 عيّن سفيرا بفرصوفيا. وفي نهاية مهامه ببولونيا دعي مجددا في جانفي 1984 ليتولى خطة مدير عام للأمن الوطني، وليتولى في مرحلة ثانية مهام كاتب دولة للأمن الوطني في 29 أكتوبر 1984 ثم وزيرا للأمن الوطني في 23 أكتوبر 1985. وفي 28 أفريل 1986 أصبح وزيرا للداخلية. وفي جوان من نفس العام أصبح عضوا في الديوان السياسي للحزب الاشتراكي الدستوري ثم أمينا عاما مساعدا للحزب، بعد أن ارتقى إلى رتبة وزير دولة مكلف بالداخلية وذلك في ماي 1987. وفي 2 أكتوبر من نفس السنة عُيّن، وهو في الواحدة والخمسين من عمره، وزيرا أوّل مع الاحتفاظ بحقيبة الداخلية. كما أصبح أمينا عاما للحزب الاشتراكي الدستوري.

في الوقت الذي كانت تحاك فيه الدسائس حول الرئيس الحبيب بورقيبة الذي أقعدته الشيخوخة وأنهكه المرض، كان بن علي ينأى بنفسه عن النزاع المصلحي ولعبة التحالفات. بل على العكس من ذلك، كان يعمل على تنقية المناخ السياسي وتكريس التفتح على المنظمات مثل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ومد جسور التواصل مع أحزاب المعارضة، الأمر الذي جعله يحظى بمساندة الطبقة السياسية وتقديرها حيث رأت فيه، منذ ذلك الحين، رجل الحوار والتفتّح.

حين أصبح وزيرا أول، تحمّل بن علي باقتدار الاضطلاع بمسؤولية إصلاح أوضاع البلاد وهي في أوج أزمتها.  فتصدى بحزم للدسائس وضاعف من جهوده لإشاعة الطمأنينة ساعيا إلى إعادة الثقة في النفوس متبنيا حلولا منطقية وواقعية ومرجحا في كل مرة كفّة المصالح العليا لتونس، في الوقت الذي كان فيه الرئيس بورقيبة يغيب تدريجيا حتى أضحى منقطعا تماما عن واقع البلاد.

وبالاستناد إلى تقرير طبي محرّر من قبل سبعة أطباء مباشرين للرئيس بورقيبة يقرّ عجزه التام عن الاضطلاع بمهامه، وعملا بالفصل 57 من الدستور، تولى الوزير الأول زين العابدين بن علي يوم 7 نوفمبر 1987 رئاسة الدولة، وتم نقل السلطة في كنف الهدوء التام واحترام الشرعية الدستورية. وقد رأى الملاحظون في ذلك مثالا للسلوك الحضاري. وهو تقدير دعمه الموقف حيال الرئيس السابق وما أحيط به من رعاية.

منذ توليه السلطة حرص الرئيس بن علي على الإيفاء بالالتزامات والوعود التي تضمنها بيان السابع من نوفمبر وهي : دولة القانون والمؤسسات ـ سيادة الشعب ـ المصالحة الوطنية ـ احترام الحريات الأساسية ـ الديمقراطية ـ التعددية ـ العدالة الاجتماعية ـ التضامن ـ البذل والعطاء ـ التفتّح والتحديث، وهو برنامج انخرطت فيه الأغلبية الساحقة من التونسيين لأنه يستجيب  لتطلعاتها.