|
التنمية الاجتماعية والاقتصادية
لقد رسمت تونس لنفسها هدفا في مجال التنمية يتمثّل في تحقيق نسبة رفيعة من النموّ الاقتصادي كفيلة بدعم وتيسير الرقي الاجتماعي. واعتبارا لقلّة الموارد الطبيعيّة، فقد راهنت البلاد على تمتين طاقاتها البشرية وعلى إنجاز عمل اجتماعي واسع المدى في اتجاه الفئات الهشّة من السكان لمكافحة التهميش والإقصاء.
هذا التمشّي القائم على الحرص المستمرّ على إيجاد توازن بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي للتنمية قد مكّن البلاد، في ن واحد، من تحقيق نجاحات اقتصادية ذات بال وتنمية اجتماعية معتبرة في المنطقة.
وقد أسهم التحرير التدريجي للاقتصاد وتنويعه بنسق متسارع وتفتحه على الخارج في الارتقاء بتونس إلى مصاف البلدان النامية وتبوئ منزلة أضحى يتطلّع فيها إلى اللحاق في مدى قريب بكوكبة البلدان المتطوّرة.
فبتحقيقها نسبة نموّ اقتصادي إيجابية منتظمة على مرّ الأعوام تتجاوز النموّ الديمغرافي (بمعدّل 5% أثناء العشرية المنقضية ونموّ ديمغرافي انحصر في 1.1%)، وبفضل قطاعها الصناعي النشيط المتجه بقسط عريض إلى التصدير (فنسبة نموّ التجارة الخارجية التونسية بلغت 15% عام 2001، وصادرات البلاد تمثّل 24% من الناتج الداخلي الإجمالي).
وبتوفير دخل يتجاوز الثلاثة لاف دينار تونسي للساكن الواحد وامتلاك بنى تحتية تقارب من حيث المستوى ما هو موجود في العديد من البلدان الأوروبية، فإن تونس تمتلك اليوم الوسائل الكفيلة ببلوغ مالها وتحقيق تطلعاتها.
وهذه النتائج المتميّزة التي أمكن تحقيقها وسط محيط جهوي ودولي صعب قد جاءت مثلما أكّد ذلك تقرير حديث العهد أعدّه صندوق النقد الدولي »كثمار لسياسات اقتصادية شاملة وهيكلية واجتماعية محكمة التنسيق. وقد وجدت تونس في ظاهرة العولمة فرصة لمزيد تطوير اقتصادها وإكسابه المزيد من القدرة التنافسيّة فأقدمت على انجاز برنامج تأهيل شامل لمنشآتها الاقتصادية التي ستواجه في أفق 2010 منافسة المنشآت الأوروبية في إطار منطقة التبادل الحرّ بين الاتحاد الأوروبي والبلاد التونسية التي ينصّ عليها اتفاق الشراكة الموقع عليه عام 1995. ففي ذلك العام، ولأوّل مرّة في تاريخه، أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاق شراكة مع بلد من جنوبي المتوسط. وقد كان اقتصاد تونس المتين وما توفّر له من فاق جيدة للنموّ، وكذلك القدرة التنافسية لصناعتها وما تتميّز به أساليب قيادتها السياسية والاجتماعية من جدية، كل ذلك قد أدّى بالاتحاد الأوروبي إلى الاقتناع بجدوى اتخاذ تونس شريكا متميّزا له في الضفة الجنوبية. وقد انتصبت بتونس أكثر من ألفي منشأة أوروبية وأمريكية و سيوية، منها ما هو في نطاق شراكة مع التونسيين الذين أضحت كفاءاتهم مشهودا بها على الصعيد الدولي. وبالرغم من تراجع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مختلف أنحاء العالم، فإن تونس ما فتئت تستقطب الأعداد المتزايدة من الاستثمارات المباشرة الأجنبية (1200 مليون دينار عام 2002 مقابل 448 مليون عام 1999) وهو ما يقوم دليلا على جاذبية موقعها وعلى ما تبديه نحوها أوساط الأعمال من ثقة تشهد بها التقييمات الإيجابية التي تسندها إليها مختلف المؤسسات الدولية للترقيم.
ومن مميزات التنمية الاقتصادية في تونس أن النمو قد كانت له ثار إيجابية على نطاق واسع لفائدة المنشآت وخاصة لفائدة المواطنين وذلك خلافا لما يحدث في العديد من البلدان الصاعدة. وبفضل السياسة الحازمة التي تنتهجها تونس في مجال التضامن الاجتماعي وأهمية التحويلات الاجتماعية التي تنجزها الدولة (حيث إن النفقات المتصلة بالنواحي الاجتماعية تمثّل في المعدّل أكثر من 50% من الميزانية العمومية)، توصّلت البلاد إلى الترفيع بصفة محسوسة في مستوى عيش السكان :
فالطبقة الوسطى قد اتسعت وأصبحت تضمّ جلّ السكان (حوالي 80%) ومعدّل مؤمل الحياة يقارب 73 عاما و80% من السكان يملكون مساكنهم، وكل الأطفال في سنّ السادسة هم عمليا يؤمّون المدارس (والتعليم مجاني واجباري). ونسبة الفقر التي كانت تمثّل 12% من السكان في الثمانينات قد تقلّصت إلى 4% بمفعول عمل السلطات العمومية والسكان الذين ساهموا بكثافة في توفير الموارد لصندوق التضامن الوطني الذي أنشأه الرئيس زين العابدين بن علي للمساعدة على تنمية المناطق النائية ومكافحة ظاهرتي التهميش والإقصاء.
وقد توّجت النجاحات التي أحرزتها هذه التجربة الرائدة في مجال التنمية المتضامنة بتقدير المجموعة الدولية التي صادقت في ديسمبر 2002 بمبادرة من رئيس الجمهورية التونسية على إنشاء الصندوق العالمي للتضامن.
ومن وجهة نظر تونس، فإن عولمة الاقتصاد ينبغي أن ترافقها عولمة للتضامن، وأن النمو الاقتصادي ينبغي أن يعاد توزيع ثماره لضمان ديمومة الهيكل الاجتماعي وتأمين التماسك المجتمعي الذي لا بدّ منه لإنجاز أي عمل يستهدف التقدّم والرقيّ. والعمل الاجتماعي لم يعد ينظر إليه باعتباره من باب التدابير المصاحبة للتخفيف من الانعكاسات السلبية للإصلاحات الهيكلية بل أضحى منصهرا كليا في الخطة التنموية للبلاد.
وقد كان من ثار هذه المقاربة الملحوظة إرساء اقتصاد يتسم في ن واحد بالقدرة التنافسية وبالصبغة الاجتماعية، كما يتصف بالليبرالية وبالطابع الاجتماعي، ويمكن تونس من النظر إلى مستقبلها بمزيد من التفاؤل والأمل.
|