لا يمكن لأحد أن ينفذ إلى روح المشروع المجتمعي الحضاري الذي قامت عليه حركة السابع من نوفمبر بقيادة الرئيس زين العابدين بن علي دون أن يمسك بأحد المفاتيح الأساسية لهذا المشروع الذي هو المصالحة مع الذات... فلقد مثّل هذا المصطلح مفردة جديدة في القاموس السياسي في تونس لم يسبق للنخبة السياسية والثقافية أن تداولته من قبل، وركيزة أساسية من ركائز المنظومة الفكرية والحضارية التي انبنت عليها حركة التغيير التي تبنّت رؤية شاملة اقتضت إنجاز إصلاح سياسي بادر إلى مصالحة الجمهورية مع قيمها، والدولة مع مؤسساتها، والمواطن مع حقوقه وواجباته، تحقيقا لوحدة وطنيّة ترفض الإقصاء والتهميش، وتنشد مجتمعا متضامنا يشارك الجميع في تنميته ودعم استقراره وعزّته وازدهاره. كما اقتضت تلك الرؤية مصالحة مع هوية الشعب العربية الإسلامية ومع ذاكرته التاريخية والحضارية، وذلك برد الاعتبار إلى الدين الإسلامي الحنيف كأحد أهمّ مقومات الشخصية الوطنية التونسية، بالارتقاء بقيمه إلى منزلة الآليات الفاعلة في تحديد الخيارات ورسم السياسات التي تهم حاضر التونسيين ومستقبلهم، وذلك إيمانا بأن هذه المصالحة فضلا عمّا تحققه من تنمية للحياة الدينية والروحية فهي كذلك عامل دفع للمسيرة التنموية وتحقيق الرقيّ والتقدم والإسهام الفاعل والإيجابي في تكريس مشروع المجتمع المنشود.

رعاية الدين مسؤولية الدولة

ولقد عبّر الخطاب السياسي في تونس العهد الجديد عن هذا الالتزام الواضح والصريح بمصالحة البلاد مع ذاتها وهويتها العربية الاسلامية ورعاية مقومات شخصيتها، من ذلك ما جاء في خطاب سيادة الرئيس زين العابدين بن علي يوم 3 فيفري 1988، حيث قال : "لقد كان أوّل ما بادرنا به بعد 7 نوفمبر هو ردّ الاعتبار إلى الدين الاسلامي في هذه البلاد إيمانا منّا بأنّ ديننا الحنيف قوام حضارتنا وهو ركن أساسي في مجتمعنا. ونحن عاملون على رعايته ورفع منارته وإحياء شعائره، واتباع تعاليمه، واتخذنا في سبيل ذلك جملة من الاجراءات العملية والقرارات الهامّة".

لذلك تتابعت الاجراءات والمبادرات وتلاحقت القرارات في هذا الاتّجاه. فلأوّل مرّة في تاريخ تونس المستقلة، يصبح الإشراف على المصالح الإدارية القائمة على الشؤون الدينية في مستوى كتابة دولة وذلك في الذكرى الأولى للتحول ليتم الارتقاء بها عام 1994 إلى وزارة تتحمل مسؤولية التبصير بقضايا الدين الصحيح والمعرفة الحق، من خلال خطاب ديني يجمع بين التأصيل والتحديث ويؤسّس لترسيخ القيم والمبادئ التي ينهض بها المشروع المجتمعي لتونس التغيير كالحريّة والتسامح والوسطيّة والاعتدال والتضامن بعيدا عن كل أشكال الانغلاق والتطرّف والارهاب.

كما تنهض هذه الوزارة برسالة دعم البحث العلمي وتشجيعه في مجال العلوم الاسلاميّة إحياء للتراث، وتأصيلا للحقائق الاسلامية وطرحا للقضايا الطارئة وبحثا لها عن الحلول الملائمة في ضوء فهم مستنير يؤمن بأن الاجتهلد ضرورة من ضرورات العصر. لذلك عملت الوزارة على وضع الخطط والبرامج الهادفة إلى تحقيق هذه الغايات من خلال العناية ببيوت الله ورعاية القائمين على شؤونها ووضع الآليات الكفيلة بترشيد الخطاب الديني بتعهّد تكوين الأئمّة والوعّاظ والمرشدين والمؤدّبين وسائر الاطارات الدّينية.

وتحقيقا لهذه الخطط والبرامج، تضاعفت الاعتمادات المرصودة لتعهّد المعالم الدينية وصيانتها وترميمها في عهد التغيير بنسبة تفوق 300 بالمائة، فضلا عن أنّ عددها قد قفز في هذه الفترة نفسها بشكل لافت للانتباه حيث قارب عدد ما بُنيَ منها في أربع عشرة سنة ما تمّ بناؤه في أربعة عشر قرنا من الزمن.

ويمثل " جامع قرطاج الكبير" الذي أذن ببنائه رئيس الدولة لبنة أخرى تنضاف إلى الصّرح الشامخ الذي تقيمه تونس اليوم بكل صدق وعزم وثبات.

ولاشك أنّ في إقامة هذا المعلم الحضاري ذي الخصائص المعمارية العربية الاسلامية الأصيلة، بضاحية قرطاج، مهد أعرق حضارة عرفتها البلاد التونسية، أكثر من دلالة أبرزها أنّ تونس المعتزّة بهويّتها، المتجذرة في تاريخها الحضاري، بقدر ما تحرص على احترام التعدّد والاختلاف، وتعلي قيمة التسامح والاعتدال، وتدعو إلى التعايش بين الأديان والثقافات والحضارات، فإنها تنزّل الدين الاسلامي الحنيف منزلته المناسبة من شخصيتها الوطنيّة ومن مشروعها الحضاري.

العناية بالمعالم الدينية:

لقد أولت تونس في عهدها الجديد موفور الرعاية لبيوت الله، ترميما وصيانة وتجهيزا، فقد ازداد عدد المساجد من 913 سنة 1987 إلى 1216 مسجدا سنة 2007.

وارتفع عدد الجوامع من 1477 سنة 1987 إلى 3186 جامعا سنة 2007، وهو ما يفيد بأن ما تم تشييده خلال عشرين سنة من التغيير من جوامع يفوق ما وقع بناؤه منذ الفتح الإسلامي إلى سنة 1987.

وقد شملت العناية المعالم الدينية القديمة والجديدة على حد سواء، باعتبارها تراثا وطنيا ومن مقومات الشخصية الحضارية التونسية.

وتدعمت المعالم الدينية ببناء جامع العابدين في مدينة قرطاج. ويعد هذا الجامع رمزا شاهدا على عراقة المعمار العربي الإسلامي في تونس.

وتعزز سلك الإطارات المسجدية خلال الغشرين سنة من التغيير، مما جعل عددهم يتطور بشكل مطرد، إذ مر من 6070 إطارا مسجديا سنة 1987 إلى 15956 سنة 2007.

ترشيد الخطاب الديني

وإنّ من مظاهر حرص تونس التغيير على الأخذ بهذه الروح وفهم الدين فهما يتناسب مع المستجد، سعي وزارة الشؤون الدينية إلى ترشيد الخطاب الديني كي يكون قائما على فهم سليم لحقائق الاسلام الخالدة، منفتحا على مستجدات العصر، مكرّسا لقيم التضامن والتسامح والاعتدال والوسطيّة، مرسّخا لمبادئ التكافل والتآزر، نابذا لأسباب الفتنة التي اكتوت بنيرانها العديد من المجتمعات.

وضمانا لتحقيق هذه الغاية الدينيّة والوطنية في آن، أذن سيادة رئيس الجمهورية عام 1997 ببعث مؤسسة عليا هي المعهد الأعلى للشريعة كي يضطلع بمهمّة تعهّد تكوين الأئمة والمؤدبين والمؤذنين وسائر الإطارات الدينية، لدعم قدرتهم على النهوض برسالتهم المجتمعية على أكمل وجه، من خلال برامج تعليميّة تزاوج بين النصوص الشرعية والعلوم الانسانية، وتضع في الاعتبار منظومة الجمع الواعي والمسؤول بين التأصيل والتحديث، وبين التبصير بأحكام الدين وشعائره وخدمة المجتمع ومعالجة قضاياه، باعتماد مناهج حديثة ووسائل تعليميّة سمعيّة بصرية تعزّز المناهج والطرق المعهودة.

تجذير الناشئة في هويّتها الحضارية

ورعاية للناشئة وسعيا إلىتجذيرها في هويتّها وترسيخ القيم و المبادئ الإسلاميّة لديها، اتّجهت عناية وزارة الشؤون الدّينيّة إلى الكتاتيب القرآنيّة، باعتبارها فضاءات تربوية تضمن للناشئة تكوينا متوازنا يهيئ لتعليم أساسي ناجح. لذلك تضاعف عددها نحو ثلاث مرات مقارنة بما كانت عليه قبل تحوّل السابع من نوفمبر. و تمّ تعصيرها بما يستجيب للشروط البيداغوجية و الصحيّة المطلوبة، و أخضعت برامجها إلى التقويم و الإصلاح.

وضمانا لبلوغ الأهداف المرجوّة من هذا الإصلاح، وسعيا إلى الإسهام في تشغيل حاملي الشهادات العليا بالتعاون مع الصندوق الوطني للتشغيل 21-21، انطلقت تجربة تكوين دفعات من حاملي الأستاذيّة من خرّجي جامعة الزيتونة لتكليفهم، إثر تربصات تكوينيّة، بتعليم أطفال الكتاتيب تلك البرامج الجديدة التي تجمع بين تحفيظ نصيب من القرآن الكريم وتعليم قواعد السلوك السويّ والأخلاق الفاضلة وتبصيرهم بقواعد العبادات بما يتلاءم مع سنّهم ومستواهم الذّهني.

ولقد شملت العناية بالتكوين الروحي والديني للتونسيين أيضا أبناء تونس في الخارج. فإلى جانب البعثات التعليمية، التي تسعى إلى الإسهام في تمكين أبناء الجالية التونسية من تكوين يتلاءم مع متطلبات المدرسة التونسية في عهد التغيير الحضاري، فقد أذن رئيس الدولة بأن ترسل إليهم بعثات من العلماء والشيوخ والأساتذة المتخصصين قصد تبصيرهم بشؤون دينهم وتعميق صلتهم بثقافتهم وحضارتهم، والاستماع إلى تساؤلاتهم وشواغلهم، ومساعدتهم على الجمع بين التشبّث بمقوّمات الشخصية الوطنية العربية الاسلامية والاندماج في مجتمعات بلدان إقامتهم.

وتشمل الإحاطة الدينية بأبناء تونس في الخارج السهر على العديد من أماكن عبادتهم وتعهدها بالصيانة، وتكوين الخطباء والمرشدين المشرفين على هذه الرعاية. كما تشمل التنسيق مع الجهات الرسمية في بلدان الإقامة لتمكين الجاليات التونسية من أداء واجباتها وشعائرها الدينية في أفضل الظروف.

مصحف الجمهورية لأول مرّة...

ولا يماثل هذه العناية بالتربية الروحية والدينية لأبناء تونس إلا العناية بالقرآن الكريم في بلاد جامع الزيتونة. ومن ذلك إذن الرئيس زين العابدين بن علي من أن تكون حلقات تلاوة القرآن الكريم مستمرّة على مدار الساعة برحاب هذا الجامع المعمور، دونما انقطاع، وبطبع مصحف الجمهورية من قبل الدولة لأول مرّة في تاريخ تونس، وذلك وفق رواية قالون المعتمدة تونسيا، وإصدار قانون المصاحف الذي يضبط قواعد طباعة المصحف الشريف وتوريده، وبعث لجنة المصاحف القرآنية التي تتولى التثبّت من سلامة نص المصاحف وإبداء الرأي بشأنها. هذا بالإضافة إلى المسابقات القرآنية التي تنظّم جهويا ووطنيا ودوليا، والتي يكرّم فيها رئيس الجمهورية المتفوقين في حفظ القرآن وترتيله وتفسيره.

إحياء الزيتونة والمقاربة المعرفية للإسلام

وتجدر الإشارة إلى مبادرة رئاسية رائدة، غنمتها جامعة الزيتونة العريقة منذ الأسابيع الأولى لتحوّل السابع من نوفمبر 1987، حيث أعيد إليها اعتبارها وتمّ تمكينها من فرصة استعادة عزّها ومجدها، وأداء رسالتها الدينية والحضارية التي اضطلعت بها على امتداد أكثر من ثلاثة عشر قرنا من العطاء الزاخر والإنتاج الوافر، والإسهام في التراكم المعرفي الإنساني. وها هي اليوم تعود من جديد منارة من منارات الفكر الحرّ المستنير، تؤسس للإجتهاد والتسامح وتشيع روح الإعتدال والإنفتاح.

ولقد كان قرار بعث مركز للدراسات الاسلامية بالقيروان، راجع بالنظر إلى هذه الجامعة، خطوة أخرى في سبيل إحياء الدور المعرفي لهذه المؤسسة الأكاديمية الضاربة في أعماق التاريخ، إسهاما في إعداد البحوث والدراسات في مجال العلوم الإسلامية، وفي تحقيق المخطوطات التي تزخر بها مكتبات تونس ومتاحفها في مختلف الفنون والعلوم. ولقد أصدر هذا المركز العديد من الدراسات وأعمال الملتقيات، من ذلك ملتقى الإمام سحنون وملتقى ابن أبي زيد القيرواني وأعمال ندوة "النص والقراءة في الحضارة العربية الإسلامية"، إلى جانب إشرافه على طباعة وإصدار بعض الفتاوي والنوازل القديمة مثل نوازل الإمام المازري وفتاوي الشيخ محمد العزيز جعيّط.

وتأتي جائزة رئيس الجمهورية للدراسات الإسلامية، التي أذن بها الرئيس زين العابدين بن علي تشجيعا على البحث في المجال الدّيني والحضاري، تكريسا آخر لتلك المصالحة بين الشعب وهويّته العربية الإسلامية.

وهكذا فإنّ المتأمّل في التجربة التونسية في مجال العناية بالدين وترسيخ هويّة المواطن التونسي في جذورها الروحية والحضارية، يجد الشواهد الناطقة والأدلّة القاطعة على أنّ تونس لايمكن بحال أن تكون منغلقة على نفسها أو منكفئة على ذاتها. فهي قد ظلت على مدار تاريخها بوابة مفتوحة على العالم وعلى الثقافات، واستطاعت بهذه الروح الحرّة والمسؤولة أن تنحت لنفسها كيانا مخصوصا وثقافة مميّزة، أساسها العروبة والاسلام، دون أن تغفل الروافد المتنوعة والثقافات والحضارات التي تعاقبت على أرضها.

ولقد أدركت القيادة التونسية المتبصرة هذا الواقع، فاختارت لشعبها مشروعا حضاريا يجمع بين الأصالة والحداثة، ويمثل منظومة فكرية وقيمية تقوم على التوحّد والتكامل وتقطع مع كل إيهامات التناقض والتضارب.

لقد سارع الرئيس زين العابدين بن علي إلى تثبيت مقومات الشعب التونسي، دينا ولغة وتاريخا، وذلك من خلال جملة من الاجراءات والقرارات في مجال العناية بالدين ومقدساته ورموز مؤسساته وإصلاح المنظومة التربوية، وتنشيط الحياة الثقافية، والسعي إلى تكريس عقلية تؤمن بالديمقراطية والتعددية والحرية وترفض كل أشكال التهميش والإقصاء وضروب الانغلاق والتطرف ومصادر الصراع والاقتتال والفتنة. وقد استطاعت تونس، بفضل هذه الاستراتجية الشمولية المتصدية لجذور المشاكل في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والروحية والثقافية أن تطوي صفحة التطرف الديني والارهاب بلا رجعة، باعتبار أنهما خطر لا على استقرار الساحة الوطنية فحسب بل وأيضا على السلم في العالم. بل إن تونس كانت سباقة إلى التنبيه إلى خطر هذه الظاهرة، وحذّرت من كل أشكالها وأنواعها دينية كانت أو عرقية أو لغوية، حيث عمل الرئيس بن علي، منذ بداية التسعينات، إلى استنهاض الضمير الإنساني و المجموعة الدولية من أجل تعميق النظر في أسباب التطرف والإرهاب والبحث عن سبل مواجهته، والدعوة إلى إرساء استراتيجيات وقائية تمكن المجتمع الدولي من الاستقرار و الازدهار، أسوة بما تحقق للمجتمع التونسي في ظل قيادة الرئيس بن علي الذي ما انفك يؤكد على أن التمسك بالهوية لا يعني التقوقع والانغلاق على الذات، كما أن الانخراط في العولمة لا يعني التفسّخ والذوبان.


أرض الزيتونة تستعيد دورها الديني والحضاري

ريادة تونس عبر مختلف العصور يستند الى شواهد تاريخية ما تزال مرتكزا لهوية البلاد نهضتها البلاد

(ميدل ايست اونلاين) ،02 أكتوبر 2006-- ريادة تونس عبر مختلف الاحقاب التاريخية ليست مجرد صدفة بل كانت تجسيدا لعبقرية شعب آمن بالاجتهاد والمثابرة في التفاعل الواعي مع التاريخ .